الشيخ محمد هادي معرفة

68

تلخيص التمهيد

فقنع منهم بأن يأتوا بعشر آيات ، رضي منهم بسورة واحدة . . . فالتجأوا إلى مفاوضة الحتوف عن معارضة الحروف ، وعقلوا الألسنة والعقول واعتقلوا الأسنّة والنصول . ورضوا بكلم الجراح عن الكلم الفصاح . وفرّوا إلى سعة آجالهم من ضيق مجالهم . . . فما انجلت غبرة الضلال عن جبهة الحقّ إلّاوهم بأسرهم أسرى أو قتلى ، إلى أن عادت كلمة اللَّه هي العليا ، وكلمة أعدائه هي السفلى . وهكذا ما تصدّى في الأزمنة المتأخّرة لمعارضته إلّامأفون الرأي مايق العقل « 1 » . ومن الأعاجيب أنّك ترى الرجل في جميع المقامات فارس يليلها « 2 » حتّى إذا تصدّى - من ضعف في دينه ، أو خور في عود يقينه ، أو زندقة في هواه ، أو وصْمُ عهار في عصاه - إلى مقاومة ذلك المقام ومعارضة معجز ذلك النظام ، أفحم وتبلّد ، وأبكم وتلدّد « 3 » هذا مسيلمة وسجاح من الأوّلين . . . والمتنبّي والمعرّي وأضرابهم من الآخرين ، كلّ يزعم أنّه أتى بما يضاهي القرآن ، فهل تجد فيه إلّاما يُضحك الصبيان . . . « ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ » « 4 » . ثمّ أخذ في بيان أوجه إعجازه : أوّلًا : ارتفاع فصاحته واعتلاء بلاغته ، بما لا يدانيه أيّ كلام بشريّ على الإطلاق . . . وضرب رحمه الله لذلك أمثلة من جلائل آياته العظام وأطنب بما بلغ الغاية القصوى . ثانياً : صورة نظمه العجيب وأسلوبه الغريب المخالف لأساليب كلام العرب ومناهج نظمها ونثرها ، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير ، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه . ثالثاً : ما انطوى عليه من الإخبار بالمغيّبات ممّالم يكن ، فكان كما قال ، ووقع كما أخبر ، في آياتٍ كثيرةٍ معروفة . رابعاً : ما أنبأ من أخبار القرون السالفة والأُمم البائدة والشرائع الداثرة ، ممّا كان لا يعلم

--> ( 1 ) . أفن : ضعف رأيه فهو أفين ومأفون . وماق الرجل : حمق في غباوة . ( 2 ) . يليل : اسم جبل معروف بالبادية ، وموضع قرب وادي الصفراء من أعمال المدينة . وإليه نسب عمرو بن عبد ود : فارس‌يليل . ( 3 ) . تلدّد : تلجلج وأفحم عن التكلّم . ( 4 ) . الحج : 74 .